ابن رشد
92
مجموعة الرسائل ( تسع رسائل )
أن يكون المركب يغلب فيه اسطقس واحد من الاسطقسات الأربع ، ولما كان كل واحد منها مركبا من كيفيتين ، وكان فعله تابعا للكيفيتين اللتين تركب منهما ، وجب أن يكون كل مركب منها تغلب عليه كيفيتان من الكيفيات : واحدة فاعلة ، وأخرى منفعلة . وذلك أن الكون للمنزج ليس يتم بغلبة واحد من الاسطقسات على الإفراط ، لأنه يفسد الباقية ولا يتم أيضا بتساويها ، لأنه يلزم إما أن يتمانع ، وإما أن يفسد كل واحد منها صاحبه ، لأن فعله فيه يكون على السواء . فإذن واجب أن يكون الكون لغلبة واحد منها لا غلبة مفرطة . وهذا شئ قد صرح به أبقراط أو قارب التصريح به في كتابه في طبيعة الإنسان . ولذلك ليس هاهنا معتدل بإطلاق ، وإن كان الإنسان يقرب مزاجه من هذا المزاج ، والأمزجة الخارجة عن الاعتدال الإنسانى هي التي تنظر فيها صناعة الطب ، وهي بالجملة داخلة تحت مزاج واحد من الأمزجة الغالبة المنسوبة للإنسان . كأنك قلت : المنسوبة لغلبة الاسطقس الحار الرطب . وأما الأربعة التي ذكر القدماء ، فهي التي من قبلها انقسمت جميع أنواع الموجودات ، أعنى أنها التي بها خالف نوع نوعا على ما تقدم من قولنا . وقد تبين كما قلنا في الرابعة من الآثار إنه لا بد في كل ممتزج أن تكون الكيفيتان الفاعلتان غالبة المنفعلتين ، ثم يكون كل واحد منهما غالبا لضده غلبة معتدلة ، حتى يكون من ذلك فعل واحد . وإنما قيل ذلك لأن المركب إنما يكون بالطبخ والإنضاج ، لأنه تبين هنالك أن جسد المركب يكون باختلاط الرطب مع اليابس ، وأن انعقاده واختلاطه حتى يكون منه جسد واحد يكون بالطبخ ، والطبخ يكون باستيلاء الحرارة على المختلط المنضج أولا وبالذات وبالبرودة أيضا على القصد الثاني .